تجربه جهانی‌

Dr Abdianالاثنين - 5 ذو القعدة 1437 هـ - 08 أغسطس 2016 مـ رقم العدد13768 [المصدر: صحيفة الشرق الأوسط

ناشط حقوقي ومتخصص في قضايا إيران والشرق الأوسط

شهدت المدن التركية في إيران، وفي مقدمتها تبريز وأورمية، مظاهرات احتجاجية عارمة ضد التوجه العنصري المبيت في الثقافة الفارسية ضدهم في الأيام الأخيرة. تلك العنصرية التي تظهر بين حين وآخر في الإعلام الإيراني ضد القوميات غير الفارسية، بهدف التشويش على جذورهم التاريخية والثقافية، وترطيب الأرض والتمهيد لسياسة التفريس العامة في البلاد.

لكن بداية، لنعرّف من هم أتراك إيران الذين تسميهم الدولة الفارسية بـ«الآذريين» عمدًا، لفصلهم عن التاريخ والجغرافيا والهوية التركية؟

يعتبر الأتراك أكبر قومية غير فارسية في إيران، من ضمن القوميات الست الكبرى (مع العرب والفرس والأكراد والبلوش والتركمان)، وهم يقطنون المناطق الشمالية والشمالية الغربية من البلاد، ويتراوح عدد نفوسهم بين 20 و25 مليون نسمة، ويصل توزيعهم السكاني حتى إلى العاصمة طهران. وهناك من يعتقد أن نصف سكان العاصمة يأتون من جذور تركية.

ووفقا للإحصائيات الرسمية في إيران، وغياب مصادر أخرى، يخمن بأن معظم الأتراك يعتنقون المذهب الشيعي، على الرغم من وجود توزيع ملحوظ من الطوائف الأخرى بينهم.

وقد لعب الأتراك تاريخيًا أدوارًا مهمة في إيران، ووفقًا لمعظم التقديرات والمؤشرات، فإنهم سيلعبون دورًا مهمًا في المستقبل أيضًا.

والنظام الإيراني يقوم بالقمع والسجن والإعدامات والتنكيل ضد كل القوميات بلا هوادة، لكنه يتعامل مع الأتراك بحذر. وعندما يصل الأمر لمواجهة الحراك التركي، ينظر بخوف وريبة إلى قومية متداخلة بنيويًا في كل أركان السلطة، ولديها سيطرة اقتصادية وطموح سياسي وتطلع ثقافي في كل أنحاء المجتمع الإيراني، حيث يتجاوز ثقلها الاقتصادي وزارات الدولة، ويهيمن على «البازار» الإيراني، من تبريز إلى طهران، ويقف عند حدود أصفهان (العاصمة التاريخية للصفويين).

وإذا ما عدنا للتاريخ، فقد حكم الأتراك في إيران البلاد قبل مجيء السلالة البهلوية، أي من عام 1794 حتى 1925 (لمدة 131 عامًا)، ولكن طيلة كل هذه السنين لم يفرضوا لغتهم التركية بالقوة على باقي القوميات، عكس البهلوية التي فرضت الفارسية بالحديد والنار، وهي اللغة التي كانت بالأساس لا تمثل أكثر من ثلث نفوس إيران.

بالإضافة إلى ما تقدم، فقد كان الأتراك في إيران من ضمن الطليعة الفكرية والتحررية في البلاد، حيث يشهد لهم التاريخ مواقف مشرفة في وجه الظلم والطغيان والأمية السياسية.

وأول هذه الخطوات في التاريخ الحديث لإيران، كانت مشاركتهم القوية في «نهضة التبغ»، في عام 1890، التي أرغمت ناصر الدين شاه القاجاري على التراجع عن قراره الشهير بإعطاء حق الإنتاج وتصدير التبغ في إيران لبريطانيا. من ثم، جاءت مواكبتهم للحركة الدستورية (المشروطة) في إيران، من خلال قياداتهم الشهيرة، كـ«ستارخان» و«باقرخان»، التي انتهت حركتهم بإنشاء أول برلمان إيراني في التاريخ المعاصر. وفي أبريل (نيسان) 1920، ثار الشيخ محمد خياباني، أحد رموز الأتراك في إيران، وشكل دولته المستقلة في مدينة تبريز وضواحيها، وفصلها عن السلطة المركزية في طهران، حتى خانه أحد المقربين إليه، وقتل في ظروف ملتبسة، وسقطت دولته العتيدة.

كما كانت لديهم حركات يسارية وتحررية ظهرت بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، بقيادة جعفر بيشاوري، التي أعلنت عن دولة شبه مستقلة في إقليم أذربيجان الإيراني، عام 1945. وعلى الرغم من انتماءاتها إلى الاتحاد السوفياتي السابق، فإنها كانت مدعومة بقوة من الجماهير التركية داخل إيران، وكادت تحكم «أذربيجان الجنوبية»، مقارنة بدولة أذربيجان الحالية التي تقع على جانب الشمال منها، لولا غدر السياسة بها، وتخلي ستالين عنها، تعويضًا للاحتفاظ بمناطق واسعة من أوروبا الشرقية.

وعندما جاء محمد مصدق بانتماءاته الوطنية في إيران، في عام 1953، وقام بتأميم الشركة النفطية الإيرانية، ووقف ضد بريطانيا، وقفت معه النخبة التركية في إيران، وخلقت له عمقًا جماهيريًا في المدن الأذربيجانية. بعد ذلك، وفي السبعينات من القرن الماضي، شهدت إيران قيام حركات مسلحة ضد النظام الحاكم، تصدرتها منظمتا «مجاهدين خلق» و«فدائي خلق». وهنا، نلحظ أن عددًا كبيرًا من القيادات المشاركة في هذين التنظيمين جاءوا من القومية التركية أيضًا.

وبعد انتصار الثورة في إيران، في عام 1979، نرى أحد مراجع الدين الكبار في تبريز، آية الله محمد كاظم شريعتمداري، ينطلق من حزب سياسي يدافع باسم «الشعب الآزري المسلم»، وكان من أشد المدافعين عن حقوق القوميات غير الفارسية.

بهذا السرد الموجز من التاريخ المعاصر، نرى أنه لا يمكن فصل الأتراك عن التاريخ الإيراني، حتى لو استحوذ الفرس على السلطة السياسية والساحة الثقافية، وسيبقى التاريخ الإيراني المعاصر فقيرًا يتيمًا من دون الأتراك.

وعلى هذا الأساس، يدرك الأتراك في إيران قوتهم الذاتية، وحجمها في البلاد، ولا يتقيدون بالمعايير التي تفرضها الدولة الفارسية لنشاطاتهم السياسية والثقافية والاقتصادية.

وعلى سبيل المثال، فإن الأتراك أسسوا عشرات الصحف غير المرخصة من الجهات الحكومية، وهم يملكون مئات المؤسسات الثقافية والفكرية ودور النشر، دون الخضوع للترخيص الحكومي. ولا تتجرأ السلطات على إغلاقها، عكس ما تفعله في الأهواز العربية من قمع المؤسسات الثقافية، أو أي تحرك فكري يقوم به العرب هناك.

وقبل عدة سنوات، قام مثقفون عرب بإنشاء مركز «الحوار»، بغية تعليم اللغة العربية، والتواصل الثقافي بين الشباب العرب، لكن سرعان ما قامت السلطات بإغلاقه. كما قام الناشط العربي الأهوازي والأستاذ الجامعي، الدكتور حسن هاشميان، عام 2000، بنشر صحيفة «صوت الشعب» الأهوازية، لكن الرقابة قامت بمنعها وإغلاقها، على الرغم من حصولها على ترخيص حكومي.

لكن الأتراك لديهم هناك نشاط ثقافي متميز، ولهم سيطرة اقتصادية شبه تامة في المدن الآذربيجانية. وأكثر من هذا كله، شهدت المناطق التركية حراكًا شعبيًا، وتصاعدًا للشعور القومي، بات يربك النظام الإيراني. وتجسد الحراك التركي في الملاعب الرياضية، في تشجيع فريق «تراختورسازي» الذي يعتبرونه منتخبهم الوطني. ولمعاكسة المدّ الفارسي الاستعلائي ضد القوميات الأخرى، هتف الشعب التركي في إيران بـ«الخليج العربي»، متحديًا شعار الفرس الاستعلائي «الخليج الفارسي للأبد»! الذي يكررونه كل يوم. وقد فعلت نفس الشيء جماهير فريق فولاذ الأهوازي بالهتاف بـ«الخليج العربي»، ردًا على العنصرية الفارسية.

كما انطلقت احتجاجات تركية ضد إهانة الإعلام الإيراني خلال الأشهر الأخيرة، التي تزامنت مع احتجاجات مشابهة في الأهواز، في يوم عيد الفطر. وتحدت الجماهير التركية والعربية قيود النظام المشددة، وعبرت عن مطالبها وهويتها.

وقد يشعل حراك الأتراك شرارة التغيير في إيران، إذا ما تمكن من التنسيق والعمل المشترك والمتواصل مع حراك جميع القوميات المضطهدة داخل إيران، التي تشكل كعب أخيل النظام الإيراني.